جسد المرأة.. استهداف المقدس
كتب – أمير زكي
مقارنة الجدل الذى دار حول تجربة علياء المهدى التى صورت نفسها عارية بالجدل الذى دار حول فتاة العباءة التى تم سحلها وتعريتها من قبل جنود الجيش فى أحداث مجلس الوزراء الأخيرة كشفت «التناقض فى المجتمع»، كما ترى أسماء على الناشطة الحقوقية. هذا الجدل اتضح من ردود الأفعال التى تلت الأحداث الأخيرة، فجسد المرأة المقدس لدى المصريين، والذى اندهش جل المجتمع المصرى لتعريته بإرادة علياء المهدى، ارتبك عدد كبير من المصريين أيضا عندما رأوه يتعرى بسبب جنود جيشهم.
حالة الارتباك تلك، التى وصلت لاتهام صورة فتاة العباءة المسحولة بالفبركة، أو اتهام الفتاة نفسها بالعديد من الاتهامات كالسؤال: لم لا ترتدى ملابس كافية تحت العباءة، تحاول أسماء على شرحها بالآتى: «من نسميهم بحزب الكنبة لا يريدون أن يصدقوا ما حدث، لذلك تجدهم يبحثون دوما عن تبريرات، فلو صدقوا المشهد سيشعرون بالخزى ولن يصالحوا نفسهم أبدا بسبب قداسة جسد المرأة لديهم»
ولكن المجلس العسكرى نفسه اعترف بالواقعة التى تم التشكيك فيها، من خلال المؤتمر الصحفى الذى عقده اللواء عادل عمارة، ولكنه طلب مراعاة الظروف التى أدت إلى هذا المشهد، بل إنه بعد المؤتمر صرح للصحفيين أن المشاهدين تجاهلوا النقطة الإيجابية فى الفيديو وهو أن أحد الجنود قد غطى الفتاة.
أحداث مجلس الوزراء شهدت ككل الأحداث الدموية التى تلت الثورة استهداف كل أطياف المجتمع المصرى بكل الوسائل، ولكن بدا أن إهانة النساء كان الحدث الأبرز والأكثر إثارة للجدل، تقول أسماء: «الطريقة المهينة التى تم بها استهداف النساء فى هذا اليوم تعيد إلى الذهن الطريقة نفسها التى تعاملت بها الشرطة معهن فى 2005 يوم الاستفتاء الأسود». وتضيف: «كانت الرسالة المراد توصيلها هو أنكن إذا خرجتن فسوف يتم الاعتداء على أجسادكن، ومن المعروف أن جسد المرأة تابو (من المحرمات التى لا تمس) عند المصريين»، لكنها مع ذلك ترى أن رد فعل النساء كان رائعا بعد الأحداث الأخيرة التى كانت تستهدف كسرهن، ودليلها هو مظاهرة النساء الحاشدة يوم 20 ديسمبر.
ولكن هذا الاستهداف كان مبررا لشعور بعض النساء بالتهديد الشخصى، كما تذكر هدى فايق التى تشارك فى المظاهرات باستمرار، التهديد لا يتعلق فقط بتهديد قوات الجيش للمتظاهرين، بل تهديد من قبل المجتمع كله، تقول هدى: «أشعر الآن بعدم أمان، خصوصا أننى ألاحظ استهانة من الشارع بما حدث، هذا يعطينى انطباعا بأن المجتمع فيه (حاجة غلط)، و أنه غير قادر على تقبل المنطق»، هذه الاستهانة من الممكن أن يتم فهمها فى سياق المرأة المتهمة دائما وفى كل الأحوال، تضيف هدى: «الفتاة المصرية عندما تنزل الشارع هى فى نظر المجتمع مشروع منحرفة».
استهداف جسد المرأة فى الأحداث الأخيرة ترجعه أسماء على إلى دور المرأة المحورى فى الثورة، إذ تقول: «المرأة المصرية كانت محركا أساسيا، وأمهات الشهداء والمصابين لهن تأثير كبير على قطاع واسع من المصريين، لذلك فهم قرروا الضرب فى مقتل، فى المكان الموجع».
ولكن الكاتبة والناقدة عبلة الروينى لا ترى أن المرأة وجسدها هما المستهدفان تحديدا، فتقول: «المستهدف هو المواطن بصفة عامة، فالقهر والإرهاب لا يفرق بين رجل وامرأة». هذا يحيلنا إلى بعض الأصوات التى قالت إن الأطفال مثلا لم يحظوا بهذا التركيز رغم أنهم أيضا تعرضوا لاعتداءات كبيرة مثل النساء.
تضيف عبلة الروينى: «الأمر لم يتوقف عند امتهان الكرامة، ولكن أن يتم ذلك فى العلن وعلى قارعة الطريق، كنوع من التهديد والإرهاب، ولكن الأبرز فى الحدث هو انقلاب السحر على الساحر، فالصورة لم تمتهن كرامة الفتاة بقدر ما امتهنت كرامة الجندى، لأنه تعدى على الأخلاق والأعراف العامة».
الجسد العارى يثير الغضب
فى بداية الحدث، عمدت بعض المواقع والصحف لتغطية عرى فتاة العباءة التى تعرضت للسحل، قبل أن تتجاهل بقية المواقع هذا مع الوقت وتعرض الصورة كما هى، ربما يثير هذا إشكاليات، خصوصا لأن الصورة بمشهد الجسد العارى تم الاستعانة بها لإثارة الغضب، هل هذا مقبول؟ تقول أسماء على: «فى البداية لم أكن موافقة على ذلك، ولكن الفتاة لم يظهر منها سوى جسدها، الذى قد يكون جسد أى مواطن مصرى، ولم نعرف وجهها أو شخصيتها هذا الذى أتمنى عدم السعى إلى كشفه». وتضيف: «أحيانا نستخدم أساليب غير متأكدين من أنها صحيحة تماما لخدمة القضية»، محيلة إلى تجربة مثل كشف فيديو الاعتداء على عماد الكبير فى قسم شرطة، حيث كان الجدل حول الحفاظ على خصوصيته أم جلب حقه. وربما تكون إحدى الأساليب غير المؤكد صحتها هى التركيز على أن الفتاة منتقبة، كأنها لم تكن لتثير الغضب نفسه لو كانت بلا نقاب أو حجاب مثلا.
هدى فايق تقول: «أرى التركيز على الصورة أمرا مقبولا، لأن المجتمع كان متبلدا وينكر الحقائق، فلا بد من مواجهته بأسلوب الصدمة، بطريقة: ها هى الحقيقة العارية أمامك». هدى تضع الصورة على رأس صفحتها على الفيسبوك، وترى أنه من الضرورى أن تظل الصورة فى أذهان المصريين، وتقول: «يجب أن تظل الصورة أمامهم، حتى بعد مرور هذه الحوادث، ليحاسب من لم يشعر بالإهانة نفسه عليها». وترى هدى أنه رغم كل شىء فالتركيز على نقاب الفتاة كان أمرا ذكيا لتفويت فرص القول بسوء السمعة.
القول بنقاب الفتاة ربما كان المقصود منه هو أن يواجه المجتمع نفسه من وجهة نظر العديد من المصريين، فالمجتمع الذى دافع الكثير منه عن حق الحجاب والنقاب للمرأة حتى عندما تم منعه من المدارس فى فرنسا، والذى امتعض أيضا الكثير منه من علياء المهدى التى تعرت بإرادتها لم يكن مستفزا جدا من الفتاة التى عراها الجيش رغما عنها.
الكاتبة عبلة الروينى لا ترى مشكلة فى استخدام الصورة، قائلة: «الصورة لا تحيل لإثارة غريزية كى نتحفظ على إظهارها فهى لم تظهر عرى الفتاة بقدر ما أظهرت عرى الجندى الذى قام بسحلها». وتضيف: «ولا يوجد تعد على خصوصية الفتاة لأننا لا نعرف وجهها ولا اسمها، وبهذه الطريقة تتحول الفتاة إلى رمز يعبر عن كل مواطن مصرى».
كلمات عبلة الروينى كان لها ما يوازيها بالفعل فى كاريكاتير انتشر على المواقع الاجتماعية، يظهر الفتاة المسحولة ملتفة بعلم مصر وكل الجنود حولها هم العراة، مع تعليق يقول: «هكذا رأينا الصورة».